قصة ولادة البلوك تشين, البيتكوين و العقود الذكية

البلوك تشين، البيتكوين، والإثيريوم : ماهم ببساطة؟ وقصتهم منذ لحظة ولادتهم إلى الآن

في يوم 22 مايو عام 2010، وضع المبرمج لازلو هانيكز إعلان على أحد المنتديات الشهيرة برغبته في شراء وحدتين من البيتزا -ويفضل أن تكونا من الحجم الكبير- في مقابل 10000 بيتكوين. إستجاب أحد المحلات الشهيرة لطلبه وأرسل له اثنتين من البيتزا في مقابل حفنة البيتكوينات تلك. نشر لازلو صور البيتزا التي حصل عليها بسعادة محتفلاً بإتمام أول عملية شراء موثقة للسلع المادية بإستخدام البيتكوين، ولكن ما لم يدركه وقتها أن قيمة العشرة آلاف بيتكوين التى إشترت بالكاد وحدتين من البيتزا ستصل بعد ما يقرب من سبع سنوات إلى حوالي 200 مليون دولار، فقد بلغت قيمة البيتكوين الواحد في أواخر عام 2017 أعلى مستوياته على الإطلاق عندما وصلت إلى 20 ألف دولار.

فما الذي جعل البيتكوين مهماً لهذه الدرجة؟ وما هو بالتحديد مفهوم البلوك التشين القائم عليه؟ وما الذي أعطاه تلك القيمة الخيالية في ذلك الوقت القياسي؟ وما الثورة والمفهوم الجديد الذي قدمه في سوق العملات بالمقارنة بالعملات التقليدية ؟

الأزمة المالية العالمية وظهور البيتكوين

في عام 2008 إصطدم العالم بأكبر أزمة إقتصادية عالمية تعتبر الأكبر منذ الكساد الكبير عام 1929. نتج عن ذلك ركود كبير بالأسواق وفقدان الملايين لوظائفهم.

أشارت تلك الأزمة البنان نحو الثقوب والمخاطر المرتبطة بالنظام المصرفي التقليدي، وأفسح المجال للاعب جديد يقدم بديلاً معتبراً للنظام المصرفي ككل، وكان أكثر البدائل جاهزية ونضجاً هو البيتكوين.

ففي نفس العام، انتشرت ورقة بحثية على مختلف المنتديات على الانترنت تقدم ما يسمى بنظام مالي جديد، واحتوت تلك الورقة على شرح لمفهوم العملات الرقمية المشفرة بالكامل وتداول العملات بدون الحاجة لوسيط كالبنوك المركزية بنظام من نظير إلى نظير (Peer To Peer) ومفهوم البلوك تشين (سلسلة الكتل) وغيرها من التفاصيل التى نشرت بواسطة شخصية غامضة (أو مجموعة من الأشخاص) لم يتم التأكيد على هويته حتى اليوم، عرف نفسه بإسم ياباني يُدعى ساتوشي ناكاموتو.

فما هو نظام سلسلة الكتل أو البلوك تشين بالتحديد؟

نظام سلسلة الكتل أو البلوك تشين هو عبارة عن قاعدة بيانات موزعة على جميع الحواسيب الموجودة داخل الشبكة في شكل سلسلة مترابطة من الكتل أو البلوكات. ما أن تتم أي عملية تحويل عملة بيتكوين من أي شخص لأي شخص في العالم، يكون لهذه العملية بلوك أو كتلة جديدة تثبت حدوثها وتضاف إلى سلسلة الكتل في كل حواسيب الشبكة.

يحتوي كل بلوك أو كتلة على 3 عناصر رئيسية:

  • المعلومات : في الكتل الخاصة بالبيتكوين مثلاً تكون المعلومات عبارة عن الشخص الراسل والمرسل إليه وكمية عملات البيتكوين المُرسلة.
  • الهاش: وهي بمثابة البصمة الإلكترونية للبلوك وهي عبارة عن كود يحتوي رموز عن كل المعلومات الموجودة داخل البلوك، وهو ما يقوم بإنتاجه المعدِّنون من خلال معادلات وخوارزميات معقدة فيما تُعرف بإثبات العمل (Proof of work) وهي تحتاج لأجهزة متطورة جداً ومعالجات جبارة وطاقة كهربائية ضخمة حتى تستطيع التغلب على صعوبة تلك الخوارزميات وحلها.
  • الهاش الخاص بالكتلة أو البلوك السابقة لها في السلسلة.

وبعد صدور البلوك لابد أن يحصل على تأكيد وتحقق من عدد من أعضاء الشبكة.

فإذا أراد أحدهم التلاعب بالمعلومات في أي بلوك فسيغير ذلك من كود الهاش الخاص به، وإذا قام بتعديله فيجب عليه تعديل كل الهاش الخاص بالكتل أو البلوكات التالية له والتلاعب بإثبات العمل الخاص بهم جميعاً -وهو أمر يحتاج لإمكانيات مهولة- وأيضاً جعل أكثر من نصف الأشخاص المشاركين في التحقق يوافقون على الترتيب الجديد، مما يجعله أقرب للمستحيل.

لذا فالثورة التقنية لمفهوم سلسلة الكتل أو البلوك تشين نابعة من توفيرها خصائص مميزة تتمثل في اللامركزية، الأمان التام وإلغاء إمكانية أي تلاعب، السرية “فأنت غير ملزم بالكشف عن هويتك الشخصية الحقيقية”، سرعة وسهولة تحويل العملات من وإلى أي مكان وبمصاريف ضئيلة جداً.

بجانب هذه المزايا يعتبر هذا النظام كابوساً لجهات أخرى، أولها البنوك والنظم المصرفية. لذا حظرت العديد من الدول التعامل بالبيتكوين، ووضعت أخرى قيوداً حول التعامل معه بينما سمحت دول عديدة أخرى إستخدامه كالولايات المتحدة وكوريا الجنوبية والصين وغيرهم. كما أعلنت العديد من الشركات الكبرى قبولهم الدفع من خلال البيتكوين مثل شركة لامبورجيني للسيارات، وشركة تسلا للسيارات الكهربائية، وسلسلة مطاعم سابواي الشهيرة بالإضافة إلى عملاق التكنولوجيا مايكروسوفت وغيرهم من الشركات الكبرى.

بالإضافة إلى تبادل العملات -كما في البيتكوين، ظهر عام 2015 استخدام جديد مهم منبثق من فكرة البلوك تشين ألا وهو العقود الذكية.

فما هي العقود الذكية ببساطة؟

العقود الذكية هي عبارة عن تطبيق مبرمج بشروط معينة وموضوع على كتلة أو بلوك داخل البلوك تشين مما يمنحها مزايا جديدة نابعة من فوائد البلوك تشين، فهي تكون غير قابلة للتعديل أو التلاعب، ومنتشرة على كافة الأجهزة الموجودة داخل الشبكة، وعدم الحاجة لوجود طرف ثالث.

بدأت فكرة العقود الذكية منذ عام 1994 من خلال عالم البرمجيات نك سابو حيث رغب أن تكون العقود مبرمجة بالكامل بشكل يوثقها ولا يسمح بالتلاعب بها أو تغيير بنودها، لكنها واجهت العديد من التحديات في التطبيق لصعوبة ضمان الأمان وعدم التلاعب أو القرصنة بتلك العقود. حتى جاء عام 2015 بالتطبيق الأول لتلك الفكرة حين قام المبرمج الروسي-الكندي الشاب فيتاليك بوترين بطرح الإثيريوم والذي يعتمد في الأساس على فكرة العقود الذكية المرتبطة بالبلوك تشين.

يمكن تبسيط فكرة العقود الذكية كمثل آلة النقود. فهي مبرمجة على إخراج زجاجة المياة أو المياة الغازية عند وضع كمية محددة من النقود بها، فإذا تم وضع النقود تحقق الشرط المبرمجة عليه الآلة وأخرجت الزجاجة، وإذا لم يتم وضع تلك الكمية من النقود لن تخرج الزجاجة.

ولفهم الفكرة بشكل أوضح، فمثلاً بعكس فكرة المواقع القائمة على جمع التبرعات لأشخاص أو جهات معينة، تتطلب تلك المواقع ثقة الأشخاص المتبرعين والأشخاص الذين يتم التبرع لهم على أنه إذا تم تجميع المبلغ المطلوب في فترة معينة يتم تحويل المال لهؤلاء الأشخاص أو الجهات، بينما لو فشل في تجميع المبلغ المطلوب يقوم الموقع برد الأموال مرة أخرى إلى المتبرعين. بينما في تقنية العقود الذكية سوف لن تحتاج إلى الثقة في طرف ثالث كمثل هذا الموقع، بل وقتها سيتعين عليك فقط برمجة المبلغ المطلوب والفترة اللي يجب أن يُجمع فيها ولو تم تحويل المبلغ المطلوب يتم تحويله تلقائياً للجهة المحتاجة، ولو لم يتم تجميعه تعود الأموال تلقائياً إلى المتبرعين.

Bitcoin
Image by Darwin Laganzon from Pixabay

يمكن استخدام العقود الذكية مثلاً في الدفع النقدي. نذكر نجاح العملاق المصرفي بانكو سانتاندر وأربعة مصارف إسبانية أخرى باستخدام العقود الذكية وأتمتة التنفيذ وتسوية المدفوعات بمجرد استيفاء بعض الشروط المسبقة.

كما يمكن تطبيق العقود الذكية في سوق العقارات من خلال التخلي عما يسمى بالوسطاء أو السماسرة, ما يعطي المعاملات شفافية وأمان مطلق ويوفر أيضاً المال والوقت والمجهود على المشترين. وكذلك في البنوك، فيمكن أن يتم برمجة شروط ومتطلبات الحصول على القروض وعند مطابقة شخص للشروط يتم تحويل القرض له تلقائياً.

يمكن أيضاً تطبيق برنامج لتتبع المسافة التي تسيرها السيارة تلقائياً مما يمنع أي تلاعب في عداد المسافات عند بيعها للحصول على سعر أكبر. يتم تجربة هذا التطبيق على عدد من السيارات في سويسرا وألمانيا. مثالا على ذلك تطوير شركة دايملر منصة لمشاركة البيانات قائمة على البلوك تشين, ما سيمكن مصنّع ميرسيديس-بينز التحقق من تدفقات البيانات داخل الشركة عبر سلاسل التوريد الخاصة بها.

لا تضاهي قدرة البلوك تشين أي تقنية حديثة, ما دفع بإدارة الغذاء والدواء الأمريكية لإعداد مخطط لسلامة الأغذية قائم على البلوك تشين, وإعلان باير عن استخدام بلوك تشين فيتشين لتتبع أدويتها.

التطبيقات لا تعد ولا تحصى, فقد تم أيضاً تجربة نظام تصويت روسي إلكتروني قائم على البلوك تشين في أيلول, واستخدمت بلدية فيرنوي سور سين الفرنسية تقنية مشابهة للتصويت على مشروع طريق عمره 50 عامًا يربط ما بين ثلاثة مدن, ما يضمن الشفافية وعدم التلاعب في الأصوات. وأخيراً إعلان وزارة العلوم الكورية الجنوبية عن تطويرها لمنصة خالية من الاتصال تتيح المشاركة في التصويت الإلكتروني، وإدارة أماكن وقوف السيارات، وغيرها من تدابير الحوكمة القائمة على الإسكان.

واليوم، بعد مرور عدة سنوات على إصدار تقنية البلوك تشين، والعملات الرقمية، والعقود الذكية، وإلقاءها حجراً كبيراً في مياه النظام الإقتصادي الحالى الراكدة، هل ستسطيع النظم القائمة مجاراة هذا التيار المندفع الحديث والعمل معه؟ أم يكون بداية لنظام مالي جديد كلياً؟

النشرة الإخبارية
إشترك في نشرتنا الإخبارية ليصلك كل جديد
يمكنك إلغاء اشتراكك متى تشاء

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط